محمد أبو زهرة
1771
زهرة التفاسير
داعى القتال إلى زمن مؤجل قريب ؟ فهم بعد أن يعود إليهم رشدهم يطلبون أن يؤخروا هم ، لا أن تؤخر الفرضية ! . لقد كان كلامهم الأول في شأن الفرضية ، ولما أدركوا سوء قولهم ، كان كلامهم عن مطالبتهم بتأخير ذهابهم إلى القتال ، وذلك ما يدل عليه تعبير الله عنهم بقوله : لَوْ لا أَخَّرْتَنا ، فهذا الفريق الضعيف الإيمان يريد أن يذهب المجاهدون الأبرار ، ويقعدوا هم مع القاعدين ! ! وقد قال في ذلك القرطبي : ( معاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم ، يعلم أن الآجال محدودة ، والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين ، سامعين طائعين ، يريدون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة ، على ما هو معروف من سيرتهم ، اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه ، ولا انشرح بالإسلام جنانه ، فإن أهل الإيمان متفاضلون ؛ فمنهم الكامل ، ومنهم الناقص ، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به ، فيما تلحقه فيه المشقة ، وتدركه الشدة ) . قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى إن الحرص على الدنيا والتعلق بها ، يدفع إلى الرغبة في البقاء على أية صورة كان البقاء ، سواء أكان البقاء في عزة أم كان في ذلة . فمطامع المال ومتاع الدنيا تجعل النفس ترضى بالحياة بكل صورها ، وقديما قال العرب : ( أذل الحرص أعناق الرجال ) . فكان لا بد لتربية روح الجهاد من تعريف المسلم بقيمة هذه الحياة ، ووزنها بالنسبة لما بعدها ، ولذلك أمر الله نبيه أن يقول لهؤلاء الذين كانت خشيتهم للناس كخشية الله أو أشد ، واضطربوا عندما أمروا بالقتال : إن كل منافع الدنيا ولذاتها قليلة ، مهما كبرت في نظركم ، فكثيرها قليل إذا كانت في ذلة ، ولا يبقى الانتفاع إذا تحكم فيكم الأعداء ، وهي فانية لا تبقى ، وكل ما يكون مآله الزوال ضئيل مهما تكاثر في العدد ، وإذا وزن متاع الدنيا بمتاع الآخرة الباقي الخالد الدائم ، فإنه لا يكون شيئا مذكورا ! ! ولذا جاء قول النبي بأمر الله تعالى : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى والآخرة بما فيها من متاع دائم خير من الدنيا بكل حذافيرها ؛ لأنه لا نزاع